هل يعيش الإسلام السياسي مخاضات جديدة أم نهاية متوقعة ؟ [ الحلقة 4]
محمد خيي الخمليشي
ما هي الخيارات التي كانت متاحة أمام المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المنعقد بتاريخ 18 مارس 2017 بُعيد إعفاء عبدالإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة ؟
كما قلت سابقا، لست معنيا هنا باستعادة أحداث و وقائع تلك الفترة، بقدر ما يهمني الوقوف على “الكيفية” التي تصرف بها الحزب عموما. بمعنى آخر، ما هي الطريقة التي دبر بها “العقل السياسي” للحزب نازلة الإعفاء ؟ وكيف تعامل مع الوضع برمته وصولا الى تشكيل حكومة جديدة برئاسة د.سعدالدين العثماني ؟
قد يقول قائل أنني أصدر عن “عقل” يرزح تحت تأثير الصدمة الممتدة، حيث توقف هذا “العقل المصدوم” عند لحظة الإعفاء ولم يستأنف النظر المتوازن لمجريات السياسة الى الآن .
هب أن هذا الادعاء صحيح . لكن من يستطيع أن يجادل في ربط المقدمات بالنتائج ؟ من يستطيع إنكار ترابط الأحداث ؟
وأزعم أن ما وقع في ذلك الاسبوع المصيري من تاريخ الحزب سيستمر في التأثير على وضعية الحزب ومستقبله ردحا من الزمن.
ذلك أنه في أسبوع واحد ، وبعد خمسة أشهر من “البلوكاج”، تم إعفاء الأمين العام للحزب عبدالاله بنكيران من تشكيل الحكومة، وتم تثمين القرار الملكي و التعامل الايجابي مع واقعة الإعفاء من قبل الأمانة العامة، ثم بعد ذلك بيومين تم تعيين رئيس المجلس الوطني للحزب د.سعد الدين العثماني مكلفا بتشكيل الحكومة، وبعده انعقد المجلس الوطني للتداول في الأمر ، وكان أهم قرار اتخذه برلمان الحزب هو تثمين التعيين الملكي الجديد والمضي قدما، بعد ذلك بيومين فقط تم الاعلان عن التوصل الى اتفاق مع الأحزاب المشكلة للاغلبية الجديدة على تشكيل الحكومة برئاسة د.سعد الدين العثماني، وهي نفس الأغلبية التي حاولت فرض رأيها على رئيس الحكومة المعفى، لكنها وُوجهت برفض قيادة الحزب مجتمعة من خلال بيانات الامانة العامة التي رفضت الابتزاز.
نحن أمام إنقلاب كامل لموقف الحزب في ظرف أسبوع .
لقد كانت الأحداث المتسارعة اكثر تركيبا من قدرتنا الجماعية على الإدراك . وقد برهنت هذه المواقف أن البعد الاستراتيجي في تدبير أزمة البلوكاج كان غائبا، وأن الاستجابة للتطورات المتلاحقة كانت تصدر عن عقل واقع تحت تأثير الصدمة.
كما أبانت الكيفية والطريقة التي تصرفت بها الأمانة العامة ومعها المجلس الوطني، بغض النظر عن بعض الأصوات المختلفة المحدودة جدا، منذ البلوكاج وصولا الى الاعفاء وتشكيل حكومة جديدة، عن محدودية وقصور في فهم طبيعة سلوك الدولة، وأبانت عن نقص كبير في الثقافة السياسية والخيال السياسي أيضا.
من الواضح أن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به هذه الحلقة حول خيارات المجلس الوطني هي إجابة سهلة وصادمة في نفس الوقت، ذلك أنه لم يكن أمام المجلس الوطني من خيار إلا ان يزكي الأمر الواقع ، أو بالأحرى كان “عقلا” تم تنويمه الى درجة لم يستطع معها ان يطرح بفعالية سؤالا عاديا يطرح عادة في ظروف مشابهة: هل من خيارات أخرى ممكنة ؟
لنعد الى أصل المشكل من الناحية النظرية .
في تقديري أن “الاختيار الملزم” بين السيئ والأسوء هو الفخ الذي يتم نصبه للإسلاميين بإحكام، ثم يأتي بعد ذلك دور ” الواقعية السياسية ” لتكمل مسيرة غرس وترسيخ القناعة بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. ثم يتكلف الزمن ببقية المهمة، عندما تتطور هذه القناعة الى عقيدة أو “دوغما” صلبة .
ربما يثير البعض لتفسير هذا الخلل المنهجي قضية ” التقدير السياسي” باعتباره اجتهادا بشريا يتسم بالنسبية، وأن مَلَكة التقدير السياسي الصائب مهارة نادرة لا تجود بها الطبيعة كل يوم، وأن الاجتهاد السياسي بطبيعته منفتح على الخطأ والصواب، وهو كلام صحيح إجمالا. إلا أنه في نظري مثل هذه “الادبيات” تساوي بين المجتهد والكسول في مسألة تحري الصواب ! وتعفي المخطئ من تحمل تبعات خطأه في التقدير، مدام المخطئ نفسه مأجورًا على اجتهاده.
والذي أعتقده شخصيا هو أن المجتهد الذي تبين خطأ تقديره ، واذا لم يكن قد وفَّى الاجتهادَ حقه من بذل الوقت والجهد الضروري في الاحاطة بالمسألة، وتحري الصواب بكافة السبل المتاحة له فإنه يكون آثما و ليس مأجورا لانه قد أخل بشرط لازم، وعليه تحمل تبعات تقصيره.
ومع ذلك فان المشكلة لا تكمن دائما في “ضعف ” التقدير السياسي، والذي يدور كله حول مبدأ الترجيح بين المفاسد والمصالح، وذلك على الرغم من أن ضعف التقدير السياسي آفة عظيمة، وترتبط بأسباب كثيرة معقدة لها علاقة بطبيعة النشأة وطبيعة المسارات الثقافية والفكرية، و بطبيعة الخلفية الاجتماعية، وأيضا، وهذا أساسي، ترتبط بالقدرات الشخصية والمدركات الذهنية وبالكفاءة العقلية للتمييز بين الحقيقة والسراب.
لا أتحدث هنا عن ” تقديرات” الانتهازي الذي ركب الموجة، أو مهاجر أم قيس، فذلك أمره سهل واضح، رغم تلونه وحربائيته. وإنما أتحدث عن السياسي الذي يمارس السياسة عن قناعة مبدئية، لكنه يتعرض لغواية أخرى في الطريق !
أين تكمن المشكلة اذن؟ خصوصا اذا كانت فرضية “ضعف التقدير السياسي ” وحدها غير كافية لتفسير كل شيئ، ماهي الخيارات المتاحة أمام السياسي الإصلاحي ليستمر فاعلا مؤثرا ؟
هل السياسة كما يقال هي “فن الممكن” دائما ؟ أم هي فن تحويل الصعاب إلى ممكن ؟

إرسال التعليق