هل يعيش الإسلام السياسي مخاضات جديدة أم نهاية متوقعة ؟ [الحلقة 5]
محمد خيي الخمليشي
هل انتهى حزب العدالة والتنمية كمشروع وكحزب يلعب أدوارا رئيسية في المشهد السياسي المغربي ؟
في الرد على هذا السؤال هناك من يردد أن “حزب العدالة والتنمية فكرة، والفكرة لا تموت “، في تقدري أن هذه المقولة خاطئة .
وقبل أن نسترسل في هذا الحديث، وبعد توقف قصير أملته متابعة مستجدات معركة طوفان الأقصى والتفاعل معها، لابد من الاشارة الى أن حديثنا عن مستقبل المشاركة السياسية للأحزاب الإسلامية، أو مستقبل الاسلام السياسي كما هو شائع إعلاميا، حديث لا ينفصل كليا عن مآلات معركة طوفان الأقصى، وهي معركة فاصلة ومحدِّدة ولها ما بعدها، كما أن انتصار المقاومة من دون شك سيكون مُلهِما وباعثا على الأمل ومجددا للدورة الحضارية وصانعا لسياق جديد يسمح بتململ مجتمعي لصالح فكرة الممانعة والتغيير .
ثم إن الصمود الاسطوري لهذه المقاومة بعد سنة كاملة من مواجهة إجرام وغطرسة أعتى جيش في المنطقة، مسنودا ومدعوما من القوى الغربية الكبرى، لهو في حد ذاته طليعة النصر الذي تسعى اليه المقاومة حاملة لآمال شعبها في التحرير والعزة، ولا نظن المقاومة الا قادرة على انجاز ذلك ان شاء الله.
فهل سيكون لذلك النصر أثر ايجابي على المشاريع الإصلاحية والنهضوية والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية تحديداً ؟
من المرجح أن يحصل ذلك. لكن الأمر الذي لا يمكن الجزم به هو شكل وهوية الفاعلين الذين سيشملهم مجال التأثير ، و بالطبع لا نستطيع تحديد الشروط المطلوبة فيمن سيصلهم نصيب من هذه الدفقة المعنوية للمقاومة .
نعود للسؤال الذي طرحناه في البداية، هل يمكن ان نتفق مع مقولة “حزب العدالة والتنمية فكرة والفكرة لا تموت” ؟
بصيغة أخرى، هل يمكننا ان ندعي ان صلاحية الفكرة التأسيسية التي بنى عليها حزب العدالة والتنمية مشروعه هي كافية لوحدها لتحصينه ضد “عوامل الزمن والتعرية” ؟
بالنسبة لي الجواب عن هذا السؤال بسيط جدا. حزب العدالة والتنمية وعاء وحامل لفكرة. هو تجربة انسانية ضمن ظروف اجتماعية وإطار زمني محدد. محاولة بشرية معرضة للخطأ والانحراف. بمعنى آخر، إن حزب العدالة والتنمية ممارسة سياسية تستلهم نماذج و أفكارًا نظرية، وهناك دائما بون شاسع بين إشراقات الفكرة وعنت الممارسة. وقد يتماهى الحزب مع الفكرة الإصلاحية كليا لبعض الوقت وقد لا يفعل.
صحيح أن الفكرة لا تموت، لكنها أيضا تنتقل بشكل طبيعي الى “حامل آخر ” بحثا عن الاطار الملائم والمناسب القادر على تصريف الفكرة بفعالية وأمانة، وهذا يعني أن الفكرة ستجد دائما المؤسسات القادرة على الدفاع عنها، وهي بذلك لا تموت. أما الحزب، أو الجماعة أو المؤسسة كيفما كان نوعها، فإنها تضعف وتتلاشى وتموت من دون شك.
عمليا، تَطَلَّب الخروج من حالة الذهول التي أصابت الجميع ليلة إعلان نتائج انتخابات الثامن من شتنبر 2021 وقتا ليس بالقصير، ثم بعد ذلك تناسلت الرويات المفسِّرة لهذا الانهيار الكبير ، وبرز من بينها سؤال رئيسي لا يمكن تجاوزه بسهولة، وهو : هل ما نشهده هو عثرة يمكن تجاوزها بعد حين ام أن هذا المشروع وصل إلى محطته الأخيرة.
هناك صيغ أخرى طُرِحَ بها هذا السؤال، لكنها جميعها تدور حول نفس المعنى، ثم انبرى بعض الكتاب وقادة الرأي بعد ذلك للحديث عن مأزق أطروحة الاسلام السياسي .
إجمالا، وفي مواجهة سؤال “نهاية الإسلام السياسي” ، هناك في اعتقادي ثلاث اتجاهات وازنة يمكن بسط أهم أفكارها كما يلي :
– الاتجاه الأول يتمحور حول فكرة “التلاشي والاندثار “: وهو اتجاه يفترض أن موجة الاسلام السياسي انتهت، بعدما برهنت الأحزاب ذات المرجعية الاسلامية عن فشلها في الإنتقال من منطق الدعوة الى منطق الدولة، وأن هذه الاحزاب وجدت نفسها في حالة صدام مع مقتضيات التطور ومستجدات العصر، و في خصومة دائمة مع قيم الحداثة السياسية، وهي بذلك تحمل في جيناتها عوامل فشلها واندثارها، والدليل هو ما صارت إليه عمليا بعد فرصة الربيع العربي حيث عجزت أن تكون بديلا مجتمعيا .
– الإتجاه الثاني يتمحور حول فكرة ” الإنكفاء والهامشية”، أو العودة لنقطة البداية. حيث أن صعود التيار الاسلامي ارتبط أساسا بنكسة 1967 وانهيار الفكرة القومية وحالة الاحباط واليأس التي استشرت في العالم العربي بالخصوص، حيث عرف هذا التيار أوجه في الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي مع احتدام الأزمات السياسية ، وفشل الدولة القطرية في تحقيق التنمية الموعودة فضلا عن تضحيتها بالديمقراطية. إلا أن عدم نضج فكرة الدولة لدى هذا التيار، والاخطاء البينة في ممارسته السياسية، وافتقاده للحس الاستراتيجي في تدبيره للصراع مع القوى المعادية للفكرة الاسلامية ولفكرة تحقيق النهضة والاستقلال وانهاء التبعية للغرب، كل ذلك كان سببا لفشله الانتخابي، وحد من مراهنة الشعوب عليه و ألجم طموحاته، وسيدفعه هذا الوضع الى الرجوع للخلف متواريا عن صدارة المشهد، منكفئا على ذاته، وقد صار هامشيا في فعله وتأثيره بعد أن انفضت الجموع من حوله. وستنتهي فكرة الإسلام السياسي باعتبارها “فكرة كبرى” بينما يستمر تأثيرها من الناحية الفكرية والثقافية.
– الاتجاه الثالث يدور حول فكرة “الانبعاث والتجدد”، ذلك أن مسوغات وجود فكرة الحركة الاسلامية باقية ومتجددة، طالما أن الحركة الاسلامية وفية لآمال هذه الشعوب في الانعتاق من الاستبداد والتبعية، وطالما خاطبت هذه الحركة وجدان هذه الشعوب، وعملت على استثمار هويتها الحضارية وتعبئة رصيدها الرمزي والتاريخي، منطلقة من الفكرة الدينية، من أجل تحقيق الشهود الحضاري للأمة. ودعاة هذا الاتجاه يعتقدون بصلاحية الفكرة السياسية الاسلامية، وأن ما لحقها من أضرار يمكن ترميمه، و أن ما أصابها من ضعف نتيجة العثرات والاخفاقات الأخيرة يمكن تجاوزه من خلال تجديد الخطاب وتجديد الوسائل وتدقيق الرؤى ومصارحة للذات وتطوير للمشروع و لإمكاناته، وهناك دائمة فرصة للانبعاث من جديد شريطة تجديد الفهم للواقع وشروط نهضته.
فهل يمكن إذن أن تنجح من جديد هذه الحركات الاسلامية في التصدي لمهمة “التجديد” وهي التي خرجت مكسورة من تجربة المشاركة السياسية وفي حلقها غصة وقد تجرعت المرارة ؟
الأمر رهين بجملة من العوامل وعلى رأسها نضج الشروط الذاتية.
لنلقي نظرة على تاريخ الحركات الاصلاحية على امتداد التاريخ الاسلامي، لنفهم أن حصول التغيير هو لقاء مباشر بين الاستعداد الذاتي من جهة ونضج الشروط الموضوعية والمجتمعية لحصول التغيير من جهة ثانية.
ولنتفق أولا أن الإخفاق أو الهزيمة أمر سنني، والسنن لا تحابي أحداً. وفي الممارسة السياسية، قد ينجرف الحزب في هذا الاتجاه أو ذاك، ويتطور الأمر سريعا بالخصوص في غياب الأصوات المقاوِمَة والممانعة، وعندها تضعف تدريجيا المناعة الذاتية لهذا الجسم و تتلاشى الحاسة النقدية عنده، ويتوسع “التدبير الاستثنائي ” بل يتغوَّل ، ويصير مقاربةً واتجاها قائما بنفسه .
وهكذا نجد أنفسنا أمام حالة من السيولة السياسة أو “السياسوية” التي تدفع الحركةَ الاصلاحيةَ الى أن تناقض نفسها بنفسها، وتدفع بها الى أن تشارك في التمكين للإفساد الذي قامت أصلا لمواجهته، فتضطر تارة للتواطؤ معه و تارة لتبريره، وتارة أخرى لتسكت عنه وذلك في أحسن الاحوال.
يجري ذلك كله تحت وطأة الاستعجال في تقدير المصلحة، والاستعجال في جني الثمرة قبل نضوجها، فيقع الزلل عند الموازنة بين المصالح والمفاسد. وقد رأينا مثلا كيف تطوع من لا نشك في إخلاصه وغيرته للتهوين من المفاسد المتوقعة من إقرار نص قانوني يسمح بتعميم لغة موليير في تدريس العلوم بالمدارس المغربية، في حين تم تعظيم المصالح المرجوة ربما من تنزيل هذا القانون الاطار.
فهل يصدر مثل هذا السلوك عن سذاجة ونقص في ” ثقافة الدولة” كما يسميها د.حسن أوريد ؟ أم أن الخلاف في الحكم على طبيعة القرار/ الإجراء مرده الى غموض أصلي في “التصور” ؟
الاستعجال كما لا يخفى على أحد آفة كبيرة وخطيرة ، يزداد خطرها مع غياب الفهم وسوء التقدير وضعف الهمة. فهو يتسبب في تفويت المصلحة الكبيرة الآجلة، من أجل مصلحة صغيرة عاجلة.
وهكذا، ومن أجل تحقيق مكاسب “تكتيكية” حقيرة تتمثل في قطع الطريق على المنافس و الخصم مثلا، تجد هذا السياسي المبدئي الاصلاحي متورط في مساندة الخيار الأسوء.
وبدعوى تجنب مسعى الخصوم الذين يريدون عزله وتهميشه، تجده، لفرط ذكائه وقدرته على المناورة ! مشاركا أصليا في فعل سياسوي مهما بلغ سوءه وظهر للعيان تفاهته، وهو في كل الاحوال خاسر … بالرغم من الوهم الذي قد يتحصل لديه بتحقيق مكاسب … وكان يسعه الامتناع عن الخيارين، السيئ والأسوء، والتمَيُّز عنهما بموقف ثالث، حتى ولو ضاع ما يتوهم انه تحقيق للمصلحة.
وهو بذلك يكون خاسرا على المدى الطويل، لانه يبدد رصيده الحقيقي ! ويَظهر للجميع كما لو أنه مستعد لفعل اي شيئ من أجل تحصيل بعض من مواقع السلطة ومنافعها والبقاء فيها، بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يؤديه .
وخاسر أيضا على المدى القصير، لأنه يندرج من تلقاء نفسه في استراتجية خصومه من حيث يعتقد انه يهزم تلك الاستراتيجية .
في الحلقة المقبلة ان شاء الله نناقش رهانات تجديد الخطاب السياسي وسياقاته وضرورته ومحدداته .

إرسال التعليق