جاري التحميل الآن

هل يعيش الإسلام السياسي مخاضات جديدة أم نهاية متوقعة ؟ [ الحلقة 3]

محمد خيي الخمليشي

هل طوَّحت البراغماتية المفرطة بالمشروع السياسي لحزب العدالة والتنمية ؟

هذا سؤال مشروع بالنظر للمآلات والعواقب .

وقد يكون من المناسب أن استحضر هنا قولا طريفا لأحد الأصدقاء ، ممن يملكون القدرة على السخرية من التناقضات واقتراح صياغات مبتكرة للمعضلات الذهنية، قال إن البراغماتيةَ مِثلُ النارِ تماما، القليلُ منها يفيد ويدفئ، والكثير منها يَحرق…

كثيرة هي المحطات السياسية التي اختار فيه الحزبُ، بمنطق براغماتي محض، الجنوحَ نحو حلول وسطى متفاوض عليها. وهذه ميزة سياسية تشي بمرونته العالية وقدرته على خلق مساحات مشتركة مع الفاعلين الاخرين.

ولكنه وهو يقوم بذلك، لم يكد ينتبه الى أن البراغماتية تحولت لديه من أداة الى أسلوب، فكان الانسلاخ تدريجيا عن ضوابط استعمال “الرخصة” التي تحولت بمرور الوقت الى “عزيمة”.

ولم نكن في حاجة الى وقت طويل ليتضح لنا كيف أساء الحزب لنفسه من حيث ظن أنه يحسن …فلماذا وكيف حصل ذلك ؟

لا شك أن السياسة تدبير للإكراه كما يقال، وحركة دؤوبة لجلب المنافع والمصالح وتدبير التناقضات. وممارسة السياسة بمقتضى هذا التعريف تجبرنا على الاعتراف بأنها فعل شائك، والسائر في طريقها مُعرَّض للمزالق والمهالك.

و من جميل القول المعين على فهم طبيعة السياسة ما قاله ابن القيم حين وصف السياسة الشرعية بأنها” مَزَلَّة أَقْدَامٍ، وَمَضَلَّة أَفْهَامٍ، وَمَقَامٌ ضَنْكٌ فِي معترك صعب”..

ومن الطبيعي إذن أن يجد الفاعل السياسي الإصلاحي نفسه في مفترق طرق صعب عندما يواجه الأسئلة الحارقة على ضوء مبادئه ومرجعيته الفكرية.

وعندما يمارس الترجيح بين الخيارات المتاحة أمامه ويسلك واحدا من الاتجاهات، يكون قد جعل “مفترق الطرق” خلفه، وتلك لحظة فارقة في مساره حين لم يعد بإمكانه العودة الى الخلف…

معضلة الترجيح تبدأ فعليا عندما تضيق الخيارات أمامك وتضيق بك السبل، و حين يحشرك خصمك في الزاوية، ويصبح حينها التقدير السياسي مغامرة خطرة، لاسيما عندما لا تكونُ مستعدًا لدفع ثمن خياراتك المبدئية. وعوض أن تكون واضحا شفافا مستعدا لتحمل التبعات التي تفرضها عليك القيم التي تؤمن بها، وعلى رأسها قيمة المسؤولية، يُهيَّئُ لك أنك تستطيع إمساك العصا من الوسط و الحصول على الزبدة وثمنها في نفس الوقت، فتلجأ الى اعتناق “حلول تلفيقية” تعتقد انها توجد في منتصف الطريق بين الاستجابة للإكراه والحيلولة دون وقوع تفريط كامل بالمنطلقات المبدئية.

والحقيقة انك عندما تبحر في عالم السياسة يجرفك تيارها الهادر بعيدًا ، ومن الصعب أن تدقق في الوجهة التي يجرك اليها، على عكس الذي يقف بمنأى عن التيار، يسهل عليه أن يرى قوة الدفع واتجاهها.

أتذكر على سبيل المثال، ونحن نتابع المشهد من المغرب قبل سنوات، كيف سَهُلَ علينا أن نستهجن موقف حركة مجتمع السلم الجزائرية (حمس) التي بالغت كثيرا في انحناءها وتخلت عن كل تميز لها على عهد المرحوم محفوظ النحناح مؤسس الحركة، وشطت بموقفها بعيدا عندما ربطت مصيرها بالنظام الحاكم، بل شكلت تحالفا رئاسيا لدعمه ! ( الى جانب حزبين اخرين هما جبهة التحرير الوطني و التجمّع الوطني الديمقراطي ) ، و أعلنت عام 2004 عن دعم بوتفليقة للفوز بالولاية الرئاسيّة الثانية، وظلت مُطَوَّقة بهذا الخيار حتّى الفترة الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة !، و عندما تحولت إلى المعارضة بعد عشر سنوات من قرارها دعم بوتفليقة، بعد تولي عبد الرزاق مقري رئاستها عام 2013، كانت حركة مجتمع السلم قد استنزفت رصيدها وأضعفت نفسها بسبب اجتهادات مرجوحة وتقديرات متهافتة.

عندما سنحت الفرصة بلقاء بعض من أبناء حمس، سمعت منهم ما يعتقدونه نظرا سديدا وخطابا معقولا يؤسس لهذا الاتجاه، وكم كان سهلا لمن يراقب من خارج التجربة ان يرى بوضوح ثغرات خطاب موغل في تبرير الهزيمة النفسية والفكرية .

وقد يكون تقديم التنازلات أحيانا أمرًا مشروعا تقتضيه المصلحة الحقيقية، بل إن تبرير هذه التنازلات المحدودة بمسوغاتها المعقولة لا عيب فيه. كما أن اللجوء للتكتيكات و المناورة يمكن اعتباره جزءا من حزمة الوسائل المتاحة أمام قائد السفينة ليصل بها الى بر الأمان، لكنّ رُبَّانَ السفينةِ هذا عندما يدمن هذه الأدوات الاستثنائية في التقدير والترجيح ، يصبحُ فقهُ “الضرورة” عنده ملاذا و ملجأ يسكن إليه على نحو دائم، ويصير المؤقت عنده منهجا في الفعل والحركة، عوض أن يكون خيارا اضطراريا محدودا في الزمان ومشروطا بشروط الإمكان.

ويمكن ان نلاحظ بسهولة كيف تضخم لدى حزب العدالة والتنمية خطاب التبرير من خلال الاستناد على وقائع تاريخية واستثنائية، كما هو الحال مثلا مع الاستعمال المفرط والكثيف لوقائع صلح الحديبية، وهو الإتفاق الذي وقَّعه النبي (ص) مع قادة قريش بعد أن منعوه من دخول مكة معتمرا، و تم اعتبار هذه الواقعة مصدرا ملهما لإضفاء الشرعية على بعض التصرفات السياسية غير المقبولة و غير المستساغة ! وقد تكرر الأمر مرارا في خضم السنوات الماضية لتبرير وقائع مختلفة .

هل نحن أمام عقل تقليدي طور تاريخيا ما يسمى بفقه الحيل ؟ أم أن الازمة تكمن ابتداء في اللجوء الانتقائي للنص الديني والاتكاء عليه عندما تعوزنا الحجة السياسية ؟ وبذلك ننقل النقاش السياسي من دائرة الاقناع إلى ساحة الإفحام !

نقل لنا ذ.عبدالإله بنكيران، عن لقاءه قبل سنوات بالشيخ راشد الغنوشي فك الله أسره، حديثا مثيرا وخطرا عن استعداد النهضة لتقديم تنازلات مؤلمة لتفادي الأسوء، وعندما قَبِلت النهضة التحالف مع خصمها البورقيبي، الرئيس التونسي السابق قايد السبسي، فيما سمي بتوافق الشيخين، لم يمنع ذلك كله من حصول الأسوء؟ وبقية الحكاية تعرفونها .

لقد صدّق الشيخ الغنوشي وهو من رواد مدرسة الواقعية السياسية أن التحجيم والاضعاف الذاتي للنهضة سيكون كفيلا بتفادي التهشيم من الخارج، ويمكن ان نعود لهذا الموضوع ببعض من التفصيل لاحقا …

إرسال التعليق