جاري التحميل الآن

هل يعيش الاسلام السياسي مخاضات جديدة أم نهاية متوقعة ؟ [الحلقة 2]

محمد خيي الخمليشي

بعد نكسة الثامن من شتنبر 2021، دخل حزب العدالة والتنمية عمليا مرحلة جديدة وصعبة من عمره السياسي، وهي مرحلة مختلفة كليا عن المراحل السابقة، اذ لم يسبق للحزب ان عاش ظروفا مشابهة. وكان من الطبيعي ان يتسرب الشك الى مناصريه بخصوص المستقبل، فضلا عن المتابع العادي الذي بادر الى طرح تساؤلات عريضة يُفهم منها اجمالا تشكيك في امكانية نهوض الحزب مجددا، متسائلًا إن كان زمن العدالة والتنمية قد ولَّى ؟ ناهيك عن خصومه الذين سارعوا الى تأكيد تخمينات سابقة بنهاية الحزب الحتمية وهو الامر الذي حرصوا عليه منذ اندلاع أحداث الثورة المضادة في المنطقة العربية .

وقد انشغل جزء غير يسير من أبناء العدالة والتنمية، ومن تيار المشاركة السياسية عموما، ببحث وتشريح أسباب وقوع هذه الهزيمة الانتخابية المُدَوية ؟

وفي هذا السياق، بادرت الامانة العامة للحزب آنذاك بقيادة د.سعدالدين العثماني الى تقديم استقالتها الجماعية والتوجه نحو مؤتمر استثنائي، وقد جرى ذاك مباشرة بعد الاعلان عن نتائج الثامن من شتنبر، خصوصا عندما تبدَّى واضحا للجميع ان ما وقع هو اندحار للحزب من صدارة المشهد الانتخابي والسياسي الى ذيله.

لكن مسار تشريح أسباب الهزيمة الانتخابية والسياسية توقف حتى قبل أن ينطلق. ذلك أنه، وبعد انتخابه أمينا عاما للحزب في مؤتمر استثنائي، عارض ذ.عبدالاله بنكيران دعاوى انخراط مؤسسات الحزب في مسار تقييم المرحلة السابقة وتحديد اوجه التقصير والخلل في أفق تقديم قراءة جماعية و بناء “سردية متفق عليها” لتفسير ما وقع .

وكان اعتراض الامين العام يقوم على أساس عملي في تقديري، حيث اعتبر أن وجود خلاف كبير وتباين حاد في وجهات النظر بين قيادات الحزب مانعٌ للمضي في هذا المسار ، وانه لا جدوى من هدر الوقت والجهد في محاولة التوفيق بين الروايات المتداولة للاحداث على اختلافها وتناقضاتها أحيانا. وان الحزب معني اكثر بالمضي قدما لاعادة بناء الحزب عوض الانشغال بتقديم الرواية الصحيحة لما وقع في الماضي.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع وجهة نظر الأمين العام في هذا الموضوع، و مع الاقرار بأن تقديم “قراءة جماعية” لما وقع في هذه الفترة الملتهبة، الممتدة بالخصوص من لحظة اعفاء ذ.عبدالاله بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة وصولا الى الثامن من شتنبر، يبقى أمر عسيرا أو متعسرا، لذلك سيبقى هذا الموضوع خلافيا، بل خاضعا لتموجات الرواية الشفهية والفردية، وحيث لازلنا نسجل انه محل تقاطب شديد وتلاوم بين قيادات الحزب وصلت في بعض الأحيان الى تراشقات لفظية.

ليس القصد عندي من خلال هذا السرد إعادة النبش في تلك الروايات، ولا ترجيح كفة أحد العوامل “المفسِّرة” لمسار الاحداث أو ترجيح سبب من الأسباب في سبورة ترتيب المسؤوليات، ولا حتى تعيين جهة محددة وتحميلها تبعات ما وقع، و ما يهمني أكثر من أي شيئ آخر في هذا السياق، هو ان أفهم طبيعة “الخلفيات” التي تحكمت في قرارت الحزب، ليس في هذه المرحلة فحسب، ولكن على نطاق اوسع.

يهمني أكثر أن أُنَقِّب عن جذور ومحددات التفكير السياسي الذي ساد بين صفوف وأبناء هذه التجربة، وخاصة قادتها وصنَّاع الرأي الغالب فيها. أو بمعنى آخر ، أن نحاول الاقتراب أكثر من الكيفية التي دبَّر بها العقلُ السياسيُّ أو “العقل الجمعي” لتجربة العدالة والتنمية استحقاقاتِ المشاركة السياسية بمطباتها و منعرجاتها على مدى العقدين أو العقود الثلاثة الماضية، ولابد أن أسجل أنني سأحاول ذلك على قدر الاستطاعة، فلست أزعم انني أمتلك مفاتيح الموضوع ، ولا القدرة منفردا على خوض عباب هذا البحر المتلاطم الامواج .

ولنا ان نتسائل ابتداء، هل حكمتْ هذا العقلَ السياسي اعتباراتٌ استراتجيةٌ واضحة وجهت دفة فعله وهو ينشد التغيير والإصلاح أم انه عقل عملي تنفيذي افتقد البعد الاستراتيجي، وأنه عقل محدود وقع تحت سطوة مبدأ التدرج بما يعنيه ذلك من تدبير لإكراهات كل معركة و حسب الاستحقاقات التي تفرضها كل مرحلة من المراحل ؟

هل تَطوَّرَ هذا العقل السياسي، الذي قاد تجربة العدالة والتنمية منذ البداية، بما يسمح بتطوير طبيعة الرهانات التي تقف خلف مبدأ المشاركة السياسية والانتقال من المقولات التأسيسية الى جيل جديد من الرهانات السياسية المعاصرة ؟

هل بقي العقل الجمعي لتجربة العدالة والتنمية مشدودا للحظة ” البداية” ولم يستطع أن يتخلص من الشروط التأسيسية و من النماذج الذهنية و الاجتماعية التي صاحبت تجربة الخروج من عباءة الشبيبة الاسلامية وتأسيس تنظيم جديد ؟

كيف قارب هذا العقلُ حالة الانقسام الداخلي ؟ وكيف تصرف ازاء لحظات التوافق مع السلطة ؟ وكيف تصرف بالخصوص عندما أراد تدبير مساحات الخلاف معها ؟

وأثناء ذلك كله، ما هي الآليات والأدوات المنهجية والقوالب الذهنية التي ارتهن اليها ؟

متى يكون عقل العدالة والتنمية محافظا ؟ هل هو عقل برغماتي دائما؟ كيف يزاوج بين الاستجابة العاطفية أحيانا وبين الخضوع للاعتبارات العقلانية أحيانا اخرى ؟ متى يكون هذا العقل منفتحا ومجددا ومتى يكون عكس ذلك ؟

متى يكون هذا العقل في حالة توثب تنقله الى ساحات الفعل والمبادرة ؟ ومتى يكون في حالة إنطفاء وتلقي بارد مكتفيا بالإنفعال وردود الأفعال ؟

إرسال التعليق