جاري التحميل الآن

حزب العدالة والتنمية المغربي إلى أين؟

محمد أمحجور

1- نهاية دورة إصلاحية

يمر حزب العدالة والتنمية بمرحلة صعبة، ولربما الأمر أكبر من هذا التوصيف، فلعل الحزب يعيش أزمة عميقة وبنيوية ومركبة، ولربما هو في “ورطة” مكتملة الأركان، ذلك أن الحالة التي يمر منها الحزب متعددة الأبعاد ومتداخلة السياقات، فهو يعيش إشكالات سياسية وتنظيمية وعلائقية وقيادية، فضلا عن تداخل كل هذا مع سياقات وطنية وإقليمية ودولية بالغة التعقيد وعالية التوترات والاضطرابات، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة القيام بتمرين التفكير الاستراتيجي في هموم الحزب وقضاياه، ولأن الأمر بهذا القدر من التعقيد فلا مناص لقادة الحزب ومناضليه من القيام بمجهودات كبيرة واستثنائية لتقييم أوضاعهم وتجاربهم واستخلاص ما يمكن استخلاصه من الدروس والعبر والمراجعات، إن هم أرادوا لهذه التجربة الإصلاحية أن تكمل سيرها وأن تتلمس دورة جديدة ومجددة.

ومما يعيشه الحزب اليوم للأسف هو سيادة خطاب مُكْثِرٍ ومتكرر وعالي الصوت، يجمل الأزمة بالدرجة الأولى في “حادثة” 8 شتنبر 2021، التي يعتبرها محصلة أخطاء سياسية وتدبيرية قامت بها قيادة الحزب خلال الولاية التنظيمية 2017-2021، وبالرغم من تراجع بَيِّنٍ في التأكيد على هذا الأمر، فإن إشاعته مع عدم الاتفاق الجماعي والمؤسساتي على قراءة “موضوعية” لما جرى، قد يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الإشكال في الحزب إنما هو محصلة هزيمة انتخابية بسبب أخطاء سياسة وتدبيرية، وأن كل هذا من الممكن أن يتم تجاوزه بسهولة ويسر من خلال خوض “معارك سياسية”، تعيد بناء لحمة الحزب وتسترجع انخراط كافة قادته فيه.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التقدير، وهذه الاستراتيجية التي تسعى إلى اصطياد “فرص سياسية” يستعيد من خلالها الحزب بريقه وقوته، فإن الانغماس في تحليل أزمة العدالة والتنمية من خلال مخرجات استحقاقات الثامن شتنبر فقط ليس كافيا، فهو إضافة إلى نكثه في جراح تنظيمية وعلائقية ومخلفات معارك التدمير الذاتي، فإنه قد يؤسس لوعي زائف، يجمل إشكالات الحزب في بعد انتخابي ظرفي بعيدا كل البعد عن إشكالات تصورية وسياسة بنيوية وعميقة تحتاج إلى استقراء ومراجعة وتدقيق وتحقيق.

إن المطلوب اليوم من حزب العدالة والتنمية – من وجهة نظري – هو القيام بتقييم استراتيجي لدورة إصلاحية انتهت، ذلك أن هزيمة الثامن من شتنبر إنما هي مؤشر كبير لنهاية دورة إصلاحية لجيل بأكمله (1992-2021)، وهو المسار الذي بدأ بالتحاق نخبة من أبناء الحركة الإسلامية بحزب الدكتور عبد الكريم الخطيب، ومَرَّ بتدبير الحكومة من موقع الرئاسة لولايتين متتابعتين، وتدبير أغلب المدن المغربية بأغلبيات مطلقة لمدة ولاية انتدابية كاملة، ثم مغادرة لكل تلك المواقع بالطريقة التي يعرفها الجميع. وما من شك في أن حصاد هذه الدورة الإصلاحية هو حصاد مشرف ومميز وفيه منجزات ومكاسب كبيرة تدعو إلى الاعتزاز والافتخار، كما أن فيه عوائق وأخطاء استراتيجية تدعو إلى التأمل والاعتبار وهو أمر طبيعي وعادي في كل تجارب الإصلاح، بل وفي كل عمل بشري طبعه القصور وعدم الكمال.

ومن الأمور الطبيعية أيضا التي ترافق نهاية هذه الدورة الإصلاحية هو تقدم أعمار جيل التأسيس الأول، فأغلبهم ازداد في خمسينات القرن الماضي، ومعظمهم أطلت أعمارهم  على السبعين سنة، وهذا يعني أنهم لن يكون بمقدورهم أن يكونوا فاعلين مباشرين وأدوات قيادية في أي دورة إصلاحية جديدة ومستقبلية، فلا العمر سيسعفهم ولا سنن “البيولوجيا” ستسندهم، مع الدعاء لجميعهم بموفور الصحة وطول العمر، كما أن قاعدة “عدم القدرة على تغيير العالم في سن السبعين” تعنيهم أيضا، فضلا عن أن سنن الله في عباده تجعل من العسير، إن لم يكن من المستحيل، أن يجدد المنتهي للمقبل والقادم، وأن يقود الجد الحفيد. ويشهد تاريخ الأمم المختلفة أنه لم يسبق لجيل واحد أن أنجز وأكمل دورتين إصلاحيتين، خاصة في دول الهشاشة التنموية والديمقراطية. وفي هذا السياق ودفعا لأي سوء فهم وتأويل، لا يعني هذا الكلام أن جيل التأسيس غير معني بمستقبل حزب العدالة والتنمية، أو أن أدواره منتفية في ورش التقييم الاستراتيجي للدورة الإصلاحية المنتهية، أو في تمرين بلورة تصور جديد لدورة إصلاحية جديدة، فالمؤكد أن تجربتهم وخلاصاتهم وحسناتهم الكبيرة والكثيرة، وأخطاؤهم وعثراتهم، كل ذلك مفيد وأساسي، ومن العبث التفكير في المستقبل بعيدا عنه، قطيعة أو احتقارا أو ابتعادا، لكنه دور مُسْنِد ومُيَسٍّر للانتقال الجيلي والإصلاحي.

وبناء على ما تقدم، فإن أي تفكير في تجربة الحزب وواقعه ومستقبله، وأي مراجعات لأحواله، ينبغي أن تمر -في تقديري- من هذا الورش الاستراتيجي المستقبلي، وهو الأمر الذي يقتضي التسريع بتوفير شروطه النفسية والتنظيمية، كما يقتضي تحديد فضاءاته وأطره الملائمة، فضلا عن تصفية الأجواء النفسية واسترجاع العلاقات وتحسينها بين عدد معتبر من القيادات.

وصفوة القول إن أزمة العدالة والتنمية أكبر من هزيمة انتخابية مهما كانت قسوتها، وهي أيضا أعمق من أخطاء قيادة سياسية سابقة أو لاحقة مهما كان حجمها، وهي أثقل من أن ينوء بحملها الواحد منا مهما أوتي من زعامة وحسن خطابة ووجاهة، وعين العقل يقتضي النظر إلى أوضاعنا من منظور استراتيجي يتعالى على تفاصيل الأحداث، وينفذ إلى الإشكالات التصورية التي تنعكس سلبا وإيجابا على الخطاب والسلوك والمنجز الإصلاحي، ولعل كل هذه الأمور إن توفرت وتيسرت تسهم في إخراجنا من ضيق التلاوم إلى سعة النظر وتقليب النظر مرة أو أكثر.

2– سردية المرجعية الإسلامية

عقب حادثة الثامن من شتنبر، ومنذ المؤتمر الاستثنائي الذي مرت قرابة سنة على انعقاده، تسود سرديات داخل الحزب تروي أمورا شتى، ومن أهم ما تَرْتَكز وتُرَكِّز عليه الحديث المتكرر عن المرجعية الإسلامية وأهميتها ومركزيتها في معالجة “الأزمة” التي ”أُدْخِل” إليها الحزب، أو-ولعله أصدق توصيفا- الأزمة التي أدخلناها نحن إلى الحزب.

وتَعْتَبِر هذه السرديات أن من واجبنا ”أن ننتبه إلى ما قاله صاحب الشأن (الله جل جلاله)، والذي هو موجود في كتاب الله وسنة رسوله، ننتبه إليه إيمانا واعتقادا، وننتبه إليه عملا وجدية وتفكرا، وهذا كفيل بنجاحنا في الدنيا وفي الآخرة إن شاء الله الرحمان الرحيم”؛ ذلك أننا ”بدأنا بالله، ونحن ندخل في قوله تعالى ”إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ”، وترجمة هذا الكلام في المجال السياسي يكون من خلال ”نموذج” الموقف الذي وقفناه في معركة الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، بحيث انتبه المجتمع إلينا لأننا ندافع على قيمه وأخلاقه.

هذا هو ملخص سردية المرجعية الإسلامية كما تم بسطها وشرحها وتكرارها خلال ما يقارب السنة من تحمل القيادة الحالية مسؤولية تدبير شؤون الحزب، بحيث إنها تجزم بما معناه أن تمسك ”الإخوان” بدينهم واستقامتهم والتزامهم بمقتضيات المرجعية كفيل بإعادة بناء الحزب على هدى من “المأثورات”.

والمتأمل في هذه السردية، لا شك أنه سينتبه إلى أنها تنحو منحى الحديث العام المرسل الصالح لكل زمان ومكان، ذلك أن كثيرا من الإشكالات التي تعاني منها المجتمعات والجماعات لم تكن يوما في إعلان المبادئ العامة ولا في إقرار الأصول التي تعتبر معلومة بالضرورة، وخلاصتها فيما نحن فيه، هي أن فلاح المرء وخلاصه -من منطلق العقيدة الإسلامية- إنما يكون بأن يجتهد في تمثل قيم الدين ومُثُلِه وعبادة الله، والاجتهاد في الاقتراب من قيم الإسلام وهديه ومبادئه، لعله بذلك يزحزح عن النار ويدخل الجنة فيكون من الفائزين.

لكن هل كان اجتهاد مناضلي الحزب في الالتزام بمقتضيات الدين وهداه مثار جدل أو خلاف داخل الحزب؟ وهل العمل السياسي الناجح الذي تصلح به معايش الناس وأحوالهم في ”الدنيا” لا يُنْجَزُ إلا من خلال ”إخوانٍ” يمشون على هدى من الله بحسب ما يجتهدون فيه من فهم وتنزيل لدينه؟ هل كسب الحزب في العمل السياسي سلبا وإيجابا هو حصاد ”السلوك الفردي المتوافق مع أحكام الدين لمجموع أعضائه ومناضليه؟ ألم نقرأ ونُقِر ونُعَمِّم أيام المأثورات أن ”النية” وحدها لا تنتج بالضرورة عملا صالحا مصلحا؟ ألم نحفظ عن ظهر قلب ما روي عن الفضيل بن عياض حينما سئل عن قوله تعالى: ”لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، فقال: هو أخلص العمل وأصوبه؟

إن إشاعة هذه السردية وتكرارها، وحملها على وجه ”الرواية الواحدة” التي يعلو صوتها ويسود، من دون أن تسدد برأي ”الجماعة”، وتَرْسُخَ بقرار المؤسسات ورواية الجمع من القيادات، يقتضي بعض التوضيحات والاستدراكات التي أعتقد -من وجهة نظري- أنها ذات أهمية ودور واعتبار في ورش النظر في مستقبل حزب العدالة والتنمية إن نحن أرادنا لهذه التجربة الإصلاحية أن تكمل سيرها وأن تتلمس دورة جديدة ومجددة. ومن أهم ما يمكن أن أثيره في هذا السياق ما يلي:

– أولا: خلافا للرواية الفردية والمستفردة، إن مفهوم المرجعية الإسلامية هو أحد المفاهيم التي ابتكرها حزب العدالة والتنمية، من خلال ”التوليد المصطلحي” الذي رافق مسيرة الحزب، وهو نتاج ”النقاش الحزبي المؤسساتي” والذي بفضله تمكن الحزب من تجاوز عدد من الإشكالات السياسية التي اعترضته في مساره. وقد تمت بلورة مفهوم ”المرجعية الإسلامية” للمرة الأولى داخل الحزب خلال ورش المخطط الاستراتيجي حين الولاية التنظيمية 2004-2008، حيث صيغت لأول مرة رؤية الحزب ورسالته، وتضمنت هذه الأخيرة العبارات التالية لتعريف هوية الحزب: ”حزب العدالة والتنمية حزب سياسي وطني يسعى، انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين،…”. وكان سياق ذلك الورش مقرونا بتداعيات الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي 2003، والتي حاول بعض الخصوم السياسيين تحميل مسؤوليتها لحزب العدالة والتنمية، من خلال ما سمي حينها بالمسؤولية المعنوية؛ كما تم أيضا نحت هذا المصطلح في سياق ورش إعادة هيكلة الحقل الديني من قبل الدولة، بحيث تمت إثارة قضية ”الحزب الإسلامي” وهو التوصيف الشائع حينها لحزب العدالة والتنمية، وعلاقة ذلك بالإسلام باعتباره مشتركا وطنيا لا ينبغي أن يكون موضوع تدافع وتسابق سياسي، وأن السياسة والدين لا يجتمعان في المملكة إلا في إمارة المؤمنين؛ وهكذا تم الانتباه داخل الحزب، ومن خلال نقاشات طويلة وعريضة، إلى أهمية إيجاد توليفة تحفظ للحزب وضوح انتمائه وانحيازه إلى حقل وتجارب الإصلاح من داخل المذهبية الإسلامية، وفي نفس الوقت إزالة أي لبس يمكن أن يستغله خصوم الحزب للتشويش عليه، وفي هذا الإطار يُفْهَمُ قرار الحزب بعدم ترشيح الأئمة والخطباء من أعضائه الذين خيرهم إما بالاحتفاظ بمواقعهم الدينية أو التقدم للمعارك الانتخابية وعدم إمكانية الجمع بينهما، كما يفهم أيضا التداول الكثيف لقيادات الحزب حين توصيفهم للحزب بكونه ”حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية”.

تلك هي أسباب ”ورود” المرجعية الإسلامية داخل الحزب، ويتضح من خلالها أن السرديات الفردية والمتمركزة حول الذات غالبا ما تغفل وتسقط حين ”الحكي” كثيرا من الوقائع التي تثبت أن أمرنا لم يكن يوما فتوى شيخ أو فيض قطب.

– ثانيا: إن ما وقع للحزب من خلاف واختلاف، وما حصل داخله من ”معارك التدمير الذاتي” و”النضال في المناضلين”، لم يكن موضوعه هو كتاب الله وسنة رسوله، ولا ما قدمناه من أعمال وعبادات وحسنات فردية تقربنا إلى الله زلفى. إن ما وقع هو خلاف حول قضايا السياسة وتقديراتها ومواقفها، ولم نكن في كل ذلك نختلف حول كليات الدين وأصوله ومقاصده.

– ثالثا: إن الحديث الرائج بخصوص أهمية الالتزام بالمرجعية الإسلامية وهدي الإسلام، إن كان له معنى حقيقي في العمل الحزبي والسياسي، كان يقتضي أن ننتبه إلى جسامة خرق كثير من العهود والمواثيق وقواعد الاجتماع الحزبي التي رسخت خلال مسارنا، والتي تم تضمين كثير منها في أنظمتنا ولوائحنا، وأهم من ذلك في ثقافتنا وسلوكنا، فصارت بذلك عقودا ومواثيق تقتضي الالتزام بها والوفاء بمقتضياتها، ”وَأَوْفُواْ بِٱلْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا”،  و ”ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ”، ومعنى ذلك كما جاء في التفاسير هو العهد الذي عاهدوا عليه الله، فدخل في ذلك جميع المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد. لكن عوض الحرص على الالتزام بمقتضيات المرجعية في سلوكنا تجاه حزبنا ومواثيقه ومؤسساته، استفقنا مرارا وتكرارا على كثير من سلوكيات وتصرفات لم نعهدها، فإذا بها بمنطق ”المرجعية” خطايا منهجية تهدم الأصول والاركان وتسن السنن السيئة وتبث الأحزان، وتشيع ”أخلاقا” غريبة عن مقتضيات المرجعية، من مثل اللمز والهمز والشتم والتنابز بالألقاب والتجريح على رؤوس الأشهاد للإخوان ونقض قرارات المؤسسات والتحريض على العصيان التنظيمي وغير ذلك مما شاع واشتهر. وما من شك أن الفرق كبير –بمقاييس المرجعية الإسلامية- بين من قد يخطئ في الاجتهاد السياسي وقد يجانب الصواب في تقدير المواقف وتدبير معارك التدافع السياسي، وبين من يهدم الأصول والاركان.

– رابعا: إن الحزب السياسي الذي يستند إلى المرجعية الإسلامية، ليس من مهامه أن ينتج ”الخطاب الديني المباشر”، وعظا وتفسيرا للآيات والأحاديث، وترغيبا في الجنة وترهيبا من النار، فلكل مقام مقال. ثم أين يمكن تصنيف مثل ذلك الخطاب في نسق وحركية مشروع إصلاحي رَسَخَت قناعاته ورُسِّمَت قرراته بالفصل بين مجالات العمل والتخصصات بحسب أنواعها ووظائفها، واختيار الخطاب الملائم لكل تخصص ومجال اشتغال، بما يرسخ التمايز والاستقلالية في المهام والأدوار والقرارات؟ هل ذهب كل ذلك سدى؟ وكيف تم ذلك ومتى وأين؟ ثم كيف يستقيم دعوةً وسياسةً أن يخرج المرء إلى الناس واعظا مذكرا بأيام الله، ثم بعد ذلك أو قبله يخرج إليهم متدافعا معهم ومصارعا لهم، والأسوء من ذلك أن يهاجمهم هامزا ولامزا ومتهكما؟

– خامسا: إن حزب العدالة والتنمية قد قطع منذ سنة 2003 أشواطا كبيرة في تجديد مذهبيته السياسية وتطوير خطابه السياسي، خاصة بعد أن أبدع توليفته المنهجية والاصطلاحية، ”حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية”، وهو ما مكنه من أن يضع جانبا أصنافا من الخطاب الديني المباشر، وأن يتخلص من عوائق كثيرة وكبيرة كبلت وأرهقت وأنهكت وأنهت عدد من التجارب الإصلاحية. لكننا للأسف نشهد اليوم تراجعات فاقعة وكبيرة عن كل ذلك من خلال الحرص على إذاعة وترويج خطاب ديني مباشر لا يمكن له إلا أن يزيد إلى مشاكل حزب العدالة والتنمية مشكلا عويصا تكلفته السياسية كبيرة وعائده الإصلاحي ضعيف. وللأسف فإن كثيرا من مضامين هذا الخطاب في قضايا المرجعية وإشكالاتها يعوزه التقعيد والتجديد، وهو في كثير من الأحيان يعود بنا إلى ما قبل سنوات ثمانينيات القرن الماضي، ويقطع مع كثير من الإرث التجديدي الذي ساد وعم حينها وكان علامة للميزة التنافسية للحركة.

– سادسا: إن حضور المرجعية الإسلامية في العمل السياسي ليس من أهدافها ومهامها المباشرة الدعوة إلى الالتزام بالدين، وتمتين التدين الفردي، وأقصى ما يمكن تفهمه في هذا الشأن هو أن يُشِيع الحزب من خلال أنشطته الداخلية غير الموجهة للعموم ومن خلال خطابه الخاص المقتصر على أعضائه، معاني الاستقامة الفردية والاجتهاد في تمثل قيم الدين بما يساعد على القيام بالواجبات والمهام السياسية وبما يعزز ”الاستقامة السياسية” المانعة من الظلم والفساد السياسي ومن استغلال المال العام والإثراء غير المشروع وغير ذلك من مظاهر ”الانحراف السياسي”. وإذا تم الأمر على هذه الشاكلة فقد تكون من نتائجه إعطاء معاني عملية وذات أثر على السياسات العمومية التي ينبغي أن ينتجها وينزلها “الحزب السياسي ذي المرجعية الإسلامية “، وتصبح بذلك الاستقامة الفردية والصلاح الفردي شأنا خاصا، لا علاقة لأحد به، يظهر ويشع بآثار عمله الصالح المصلح لا بضجيج القول ومطلق الادعاء، ويصبح أيضا الحزب غير معني بما قد يسقط فيه أعضاؤه ومسؤولوه من أخطاء فردية وشخصية هي من طبيعة الناس كل الناس، تجبها التوبة والاستغفار لمن ارتضى منهم الإسلام دينا ومنهجا.

– سابعا: إن استحضار المرجعية الإسلامية في العمل السياسي تقتضي تثبيت وإشاعة قيم الاستقامة السياسية النافعة لتدبير شؤون الوطن والمواطنين، والجالبة للمصالح والدافعة للمفاسد. ومن هذا الاستحضار إشاعة خطاب مبشر وجالب للقيم الإسلامية المهداة لعموم الناس من مثل القيم التي تعلي من كرامة الإنسان وتحترم إرادته وعقله، وتحفظ حقوقه الإنسانية بأجيالها المختلفة بدءا بالحقوق الأساسية وصولا إلى كل ما يمكن أن ينمي ويحفظ ويستكمل كرامة الإنسان وسلامته واستواءه، وقيامه بأدواره في حمل الأمانة وفي إعمار الأرض، وما يقتضيه ذلك من إشاعة وترسيخ لقيم الحرية والعدل والمساواة والأمانة والصدق ورفض الظلم والاستعباد والاستكبار. ولا شك أن المتأمل في خطابنا المثقل بمقتضيات ”المرجعية” سيجد ضمورا كبيرا لهذه الأبعاد، وكأن المرجعية الإسلامية إنما تعني ”طائفة” من خاصة الخاصة، وليست قيما مشتركة ومشاعة بين كل الناس باختلاف ألسنتهم وألوانهم.

– ثامنا وختاما، إذا كان كل مشروع سياسي لا بد له من إطار فكري ومنظومة مفاهيمية ومذهبية وجهاز نظري يمكنه من تحليل معطيات الواقع وفهمه واستيعاب تعقيداته، وإذا كان اختيار حزب العدالة والتنمية للمرجعية الإسلامية إطارا لذلك لاقتناعه بجدواها ونجاعتها وانسجامها مع أسس المجتمع والدولة، فإن الحاجة ماسة إلى تجديد النظر فيما تحقق من كسب في هذا الإطار وتمحيصه وفتح آفاق جديدة لكي يكون للمرجعية الإسلامية دور مركزي في تجديد المشروع الإصلاحي للحزب. وما من شك في أن هذا الورش الكبير والحيوي والاستراتيجي من المفروض فيه أن يسائل التجربة وكسبها، ويدقق في مفاهيمها ومقارباتها، ويمحص ثوابتها ومتغيراتها في ظل ما يعيشه العالم من تغيرات وتقلبات استراتيجية وبنيوية عميقة، ويعيد النظر أكثر من مرة في قضايا إشكالية أنهكت كثيرا من التجارب الإصلاحية، ومنها تدبير علاقة الدين بالسياسة وتخفيف التدبير السياسي من ثقل وأغلال ”الإيديولوجيا” والمطلقات والكليات، وتثبيت أصوله في دوائر العفو والظنيات. والأهم من هذا وغيره من الأسئلة والإشكالات ذات الصلة القدرة على تَبْيِئَةِ كل ذلك في نسق سياسي عريق وعميق، وإيجاد الخلطة النافعة للإصلاح في كمياء السياسة الوطنية وتضاريس جغرافية سياسة مغربية كثيرا ما تقهر صم الحجر. فهل يأتي علينا حين من الدهر نجد فيه فضاء ملائما لتدقيق النظر تفاكرا وتحاورا وتشاورا؟ لعل ذلك قريب… أو

إرسال التعليق